لا يمكن لأي متابع منصف أن ينكر حجم التحولات التي شهدها المغرب خلال العقدين الأخيرين، سواء على مستوى البنيات التحتية، أو الصناعة، أو الدبلوماسية، أو تموقعه داخل القارة الإفريقية. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما الذي تحقق، بل كيف يمكن تحويل هذه الإنجازات إلى أثر ملموس في حياة المواطنين.
القراءة التي قدمها الباحث الأكاديمي الدكتور عادل بن حمزة في برنامج “جلسة عمل” أعادت فتح نقاش جوهري حول مسار الدولة المغربية، بعيدًا عن منطق المزايدات السياسية. فقد قدم رؤية تستند إلى معطيات وأرقام، معتبرًا أن المملكة انتقلت إلى مرحلة جديدة من البناء المؤسساتي والاقتصادي، بالتوازي مع تعزيز حضورها الدبلوماسي في القضايا الاستراتيجية، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية.
لكن في المقابل، تبقى التنمية الحقيقية رهينة بقدرة السياسات العمومية على تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وخلق فرص شغل كافية، وتحسين جودة التعليم والصحة والخدمات الأساسية. فالمواطن لا يقيس نجاح الدول فقط بحجم الاستثمارات أو المصانع، وإنما بما ينعكس على مستوى عيشه واستقراره.
وفي الشق السياسي، فإن الإصلاحات القانونية المرتبطة بانتخابات 2026، خاصة تلك التي تستهدف حماية نزاهة العملية الانتخابية من التضليل الرقمي والاستعمال غير المشروع للذكاء الاصطناعي، تمثل خطوة متقدمة في مواكبة التحديات الجديدة التي فرضها العصر الرقمي، لكنها تحتاج أيضًا إلى وعي مجتمعي وممارسة سياسية مسؤولة.
أما دبلوماسيًا، فقد رسخ المغرب موقعه كشريك موثوق على المستويين الإقليمي والدولي، ونجح في تحقيق مكاسب مهمة في ملف الصحراء المغربية، بفضل رؤية استراتيجية جعلت العديد من القوى الدولية تعيد صياغة مواقفها وفق معطيات جديدة تكرس الواقعية السياسية.
ولعل الرسالة الأكثر عمقًا في حديث بن حمزة كانت دعوته إلى إعادة الاعتبار للثقافة، مستحضرًا مدينة الخميسات التي كانت يومًا فضاءً للإبداع والمسرح والفن. فالتنمية ليست طرقًا ومناطق صناعية فقط، بل هي أيضًا بناء للإنسان، وصناعة للوعي، وحماية للأجيال الصاعدة من الفراغ الثقافي وهيمنة المحتوى الرقمي غير الهادف.
إن المغرب يمتلك اليوم مقومات الاستمرار في مسار الصعود، غير أن المرحلة المقبلة تفرض الانتقال من منطق الإنجاز إلى منطق تجويد الأثر، ومن تحقيق الأرقام إلى تحسين جودة الحياة. فنجاح الدول لا يُقاس فقط بما تبنيه من مشاريع، بل بما تمنحه لمواطنيها من أمل، وعدالة، وفرص، وثقة في المستقبل.
شاركها.

اترك تعليقاً

Exit mobile version