في السياسة، ليست المشكلة دائماً في من يفاوض، بل في ماذا يفاوض، وبأي سقف، وبأي تفويض سياسي واضح.
وإذا كان المكتب السياسي قد قرر تفويض إدريس لشكر ومصطفى عجاب متابعة المفاوضات مع رئيسة الحكومة، فإن ذلك لا ينهي النقاش حول حدود هذا التفويض ومداه السياسي.
وهنا تطرح الحركة التصحيحية سؤالاً أكثر إحراجاً: هل يتعلق الأمر بتفويض تقني لمواصلة المشاورات، أم بتفويض سياسي شامل يسمح بحسم قرار المشاركة وشروطها؟
فالمكتب السياسي نفسه أكد أن تقييم نتائج انتخابات 23 شتنبر واستخلاص دروسها مسؤولية جماعية لمختلف الأجهزة الحزبية، قبل الانتقال إلى الاستحقاقات المقبلة.
ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال مشروعاً: لماذا لا يكون النقاش المؤسساتي حول نتائج الانتخابات وشروط المشاركة سابقاً على التفاوض حول مواقع الحزب داخل الحكومة؟
فالحديث عن المشاركة ليس مجرد لقاءات ومشاورات، بل قرار سياسي يحدد موقع الاتحاد داخل الأغلبية أو المعارضة لمرحلة كاملة.
وتذهب القيادات المنتقدة إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن لشكر لا يملك، في نظرها، تفويضاً سياسياً مفتوحاً للتصرف باسم الاتحاد في كل تفاصيل المشاركة قبل استكمال النقاش التنظيمي والمؤسساتي.
وبعبارة أكثر صراحة: هل تفويض متابعة التفاوض يعني تلقائياً تفويض اتخاذ القرار النهائي؟
وهنا تحديداً توجد المنطقة الرمادية التي يمكن أن تتحول إلى أزمة سياسية وتنظيمية إذا لم تكن الحدود واضحة أمام المناضلين والمؤسسات.
فالعودة إلى المؤسسات بعد التفاوض قد تكون أمراً طبيعياً، لكن السؤال هو: ماذا سيبقى للتفاوض المؤسساتي إذا حُسمت الخيارات السياسية مسبقاً؟
كما أن الحديث عن استوزار الأقارب أو المقربين يظل اتهاماً منسوباً إلى خصوم القيادة، ولا يمكن اعتباره حقيقة ثابتة دون أدلة؛ غير أن طرحه يفرض سؤالاً أكبر حول الشفافية ومعايير اقتراح الأسماء.
والأخطر أن تتحول مفاوضات تشكيل الحكومة إلى مظلة تؤجل النقاش الداخلي حول مسؤولية القيادة عن نتائج الانتخابات.
فالبلاغ الرسمي نفسه يقول إن الحزب لا يعتبر الحكومة غاية في ذاتها، سواء كان جزءاً منها أو في معارضتها.
لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست حول عدد الحقائب، بل حول من يملك القرار، ومن يمنح التفويض، ومن يتحمل المسؤولية السياسية أمام المؤسسات والقاعدة الاتحادية.
ويبقى السؤال الأكثر إحراجاً: هل يدخل الاتحاد الاشتراكي الحكومة بقرار مؤسساتي واضح، أم أن المفاوضات ستسبق القرار ثم يُطلب من المؤسسات لاحقاً أن تمنح الشرعية لما تم التفاوض بشأنه؟