لم يكن النقاش الذي شهدته لجنة التعليم والثقافة والاتصال بـمجلس المستشارين نقاشًا تقنيًا معزولًا حول مادة قانونية، بل لحظة كاشفة لمسار تشريعي يثير أسئلة عميقة حول مستقبل التنظيم الذاتي للصحافة بالمغرب.
فتمرير المادة الخامسة من مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، رغم الاعتراضات الواسعة، عكس توجّهًا حكوميًا حاسمًا في إعادة ترتيب موازين التمثيلية داخل المؤسسة.
وقد ارتبط هذا التوجّه مباشرة بموقف وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، الذي دافع عن الصيغة المعتمدة ورفض مختلف التعديلات المقترحة من المعارضة والهيئات المهنية.
القراءة الأولية لتركيبة المجلس المقترحة تكشف انتقالًا واضحًا في مركز الثقل من الصحافيين إلى الناشرين، بما يمنح الفاعل الاقتصادي سلطة أوسع في مجالات الأخلاقيات والتأديب واتخاذ القرار.
وهو ما يطرح إشكالية جوهرية حول مفهوم “التوازن” الذي ترفعه الحكومة، في ظل تحجيم الدور التمثيلي للصحافيين داخل مؤسسة أنشئت أساسًا لحمايتهم.
كما أن توسيع ما يسمى بـ“فئة الحكماء” يثير تساؤلات حول معايير الاستقلالية، خاصة مع غياب ضمانات واضحة تحول دون تداخل المصالح.
الأخطر في هذا المسار هو الانتقال الضمني من منطق التنظيم الذاتي المهني إلى منطق التأثير الاقتصادي، بما قد ينعكس على حرية التعبير واستقلالية القرار التحريري.
فالقوانين المنظمة للإعلام لا تُقاس فقط بفعاليتها الإدارية، بل بقدرتها على صون التعددية وحماية الفاعلين الأضعف داخل الحقل.
إن إعادة تشكيل المجلس الوطني للصحافة بهذه الصيغة تفتح نقاشًا ضروريًا حول حدود الإصلاح وحدود الوصاية.
وما لم يُعاد الاعتبار للحوار المهني الموسع، فإن هذه الخطوة قد تُسجل باعتبارها تراجعًا مؤسساتيًا يترك أثره العميق على مستقبل الصحافة المغربية.