Uncategorized

أعور البصيرة وواشي السريرة…نوادر الأعور والواشي

dawlajadida 2 دقائق للقراءة

ليس كل من أمسك قلما صار كاتبا، ولا كل من أنشأ موقعا صار صحفيا، ولا كل من أكثر الضجيج أوتي من الحقيقة نصيبا. فبين الكلمة والثرثرة، وبين الرأي والافتراء، وبين الصحافة وصناعة الوهم، مفاوز لا يقطعها إلا من تزود بالعلم، وتجرد للحق، واحترم عقول الناس.

لقد ابتلي الفضاء الرقمي بطائفة جعلت من الوشاية منهجا، ومن الإشاعة بضاعة، ومن التلميح سلاحا، ومن تصفية الحسابات رسالة. قوم إذا أعوزتهم الحجة احتموا بالصخب، وإذا أعيتهم الوثيقة استعانوا بالظنون، وإذا أفلسوا من البرهان أغرقوا الفضاء الإلكتروني بسيل من الإيحاءات التي لا يسندها عقل ولا يعضدها دليل.

وهؤلاء ليسوا ورثة صاحبة الجلالة، وإنما ورثة فوضى الكلمة؛ يتدثرون بعباءة الصحافة وهي منهم براء، ويستعيرون هيبة الإعلام ليخفوا خواء الفكرة. يظنون أن تكرار الدعوى يغني عن إقامة البينة، وأن كثرة المنشورات تصنع حقيقة، غافلين عن أن الحقيقة لا تولد من رحم الضجيج، وإنما تخرج من صلب الدليل.

أي بصيرة هذه التي لا ترى من الوقائع إلا ما يوافق الهوى؟ وأي قلم هذا الذي لا يتحرك إلا إذا حركه الواشي، ولا يجف إلا إذا فرغ من خدمة أصحاب الأحقاد؟ إن الرأي الذي يصاغ في مجالس النميمة، ويحرر بأقلام الغرض، لا يرقى إلى مرتبة الفكر، بل يظل أسير الأهواء، يدور معها حيث دارت، ويسقط بسقوطها.

إن المؤسسات لا تدار بمنشور عابر، ولا تهتز لزعيق الصفحات، ولا تقاس هيبة الدولة بعدد المتابعين. فالدولة أبقى من الضجيج، والقانون أطول عمرا من الإشاعة، والحق لا تزيده الحملات إلا رسوخا، كما أن الباطل، وإن انتفش ساعة، فإن مآله الذبول والانكشاف.

وقد قال أهل البلاغة قديما: «إذا فسد الميزان، استوى الذهب والتراب.» وما أكثر الموازين التي أفسدها أهل الهوى، حتى صار المتطاول في أعينهم فارسا، وصار صاحب الرسالة متهما. غير أن سنن التاريخ لا تتغير؛ فالرغوة تذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. وتلك هي القاعدة التي لا يملك الواشي أن يبدلها، ولا يملك الضجيج أن يهزمها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *